أحمد بن محمد المقري التلمساني
111
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
أبو جعفر أحمد بن عبد الملك بن سعيد العنسي ، قال قريبه أبو الحسن علي بن موسى بن سعيد في « المغرب » « 1 » : سمعت أبي يقول : لا أعلم في بني سعيد أشعر منه ، بل لا أعلم في بلده ، وعشق حفصة شاعرة الأندلس ، وكانا يتجاوبان تجاوب الحمام ، ولمّا استبدّ والده بأمر القلعة حين ثار أهل الأندلس بسبب صولة بني عبد المؤمن على الملثّمين اتخذه وزيرا ، واستنابه في أموره ، فلم يصبر على ذلك ، واستعفى ، فلم يعفه ، وقال : أفي مثل هذا الوقت الشديد تركن إلى الراحة ؟ فكتب إليه : [ المجتث ] مولاي ، في أي وقت * أنال في العيش راحه إن لم أنلها وعمري * ما إن أنار صباحه وللملاح عيون * تميل نحو الملاحه وكأس راحي ما إن * تملّ منّي راحه والخطب عنّي أعمى * لم يقترب لي ساحة وأنت دوني سور * من العلا والرجاحه فأعفني وأقلني * ممّا رأيت صلاحه ما في الوزارة حظّ * لمن يريد ارتياحه كلّ وقال وقيل * مما يطيل نباحه « 2 » أنسي أتى مستغيثا * فاترك فديت سراحه فلمّا قرأ الأبيات قال : لا ينفع اللّه بما لا يكون مركّبا في الطبع مائلة له النفس ، ثم وقّع على ظهر ورقته : قد تركنا سراح أنسك ، وألحقنا يومك بأمسك . ولمّا رجع ثوار الأندلس إلى عبد المؤمن وبايعه عبد الملك بن سعيد فغمره إحسانا وبراّ ، وولي السيد أبو سعيد بن عبد المؤمن غرناطة طلب كاتبا من أهلها ، فوصف له فضل أبي جعفر وحسبه وأدبه ، فاستكتبه ، فطلب أن يعفيه ، فأبى إلى أن شرب أبو جعفر يوما مع بعض « 3 » خواصّه ، وخرج ثاني يوم إلى الصيد وكان اليوم ذا غيم وبرد ، ولمّا اشتدّ البرد مالوا إلى خيمة ناطور « 4 » ، وجعلوا يصطلون ويشربون على ما اصطادوا ، فحمل أبا جعفر بقيّة السكر على أن قال يصف يومه ، ويستطرد بما في نفسه : [ الطويل ] ويوم تجلّى الأفق فيه بعنبر * من الغيم لذنا فيه باللهو والقنص
--> ( 1 ) انظر المغرب ج 2 ص 164 . ( 2 ) في ب ، ه : « ممن يطيل بناحه » . ( 3 ) كلمة « بعض » ساقطة من ب . ( 4 ) الناطور : حارس البستان والقيم عليه .